القرطبي

88

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنت النعيم ( 56 ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ( 57 ) . قوله تعالى : ( الملك يومئذ لله يحكم بينهم ) يعنى يوم القيامة هو لله وحده لا منازع له فيه ولا مدافع . والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور . ثم بين حكمه فقال : ( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ) . قلت : وقد يحتمل أن تكون الإشارة ب‍ " يومئذ " ليوم بدر ، وقد حكم فيه بإهلاك الكافر وسعادة المؤمن ، وقد قال عليه السلام لعمر : ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) . قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ( 58 ) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ( 59 ) أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا على سائر الموتى . وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس : من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه ، فنزلت هذه الآية مسوية بينهم ، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا . وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل . وقد قال بعض أهل العلم : إن المقتول في سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد ، ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله . وقال بعضهم : هما سواء ، واحتج بالآية ، وبقوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع